” كما تسجل المحكمة في حكمها أيضا أنها ولئن عالجت في حكم سابق لها تحرش بعض المعلمين بتلاميذ المدارس إلا أنها تدق ناقوس الخطر من جديد على واقعة أشد فتكا بالمجتمع بأن يصل الانحراف إلى تلاميذ الصف الإعدادي فيتحرشون بمعلمتهم التي تجاوز عمرها الخمسين عاما , ومكمن الخطورة أن ظاهرة التحرش التي انتشرت على مسرح الشوارع انتقلت إلى مسرح أخر له قدسية محراب العلم بالمدارس الأصل فيه أنه مجال للقيم والتربية والتعليم , إن ظاهرة التحرش الجنسي من طلاب الإعدادية على معلمتهم – الذي كشف عنها الطعن الماثل – لها أثار خطيرة علي البناء الاجتماعي للمجتمع ،والنسق القيمي له ، وهو من أحلك أشكال العنف ضد المرأة التي أصبحت تتعرض له في مختلف مناحي الحياة الاجتماعية ،خاصة في مجتمع اختلطت فيه المعايير والقيم الاجتماعية المتعارف عليها بموروث ثقافي مصري على مدار التاريخ عن الحياء والحشمة , فتضاءل دور المدرسة التربوي والإرشادي والتقويمي حتى أصبحت المدرسة بيئة خصبة لشتي الانحرافات السلوكية ، كما أن الإدارة المدرسية لا تمارس أسلوب المكاشفة في مواجهة المشاكل كمشكلة التحرش الجنسي بل تلجأ إلي طريقة التستر وادعاء أن مثل هذه الجرائم مجرد حالات فردية أو مشاكل محدودة , والمسئول عن هذا التردي الأسرة والمدرسة معا .
وتؤكد المحكمة أن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى في حياة الطفل ، يتشكل منها نظرته للحياة واتجاهاته وقيمه وسلوكياته وميوله وعاداته , فاهتمام الآباء بأبنائهم، والقيم التي يحرصون على غرسها فيهم هي من أهم العوامل الأساسية التي تحسم مدى نجاح الطفل في المدرسة , ولهذا كان دور الآباء والأمهات من أهم الأدوار في التنشئة الاجتماعية ، ومن الأخطاء الشائعة التي قد يقع فيها الأبوان هي الاتكال على المدرسة وحدها ، لعدم وجود الوقت الكافي للأسرة لتربية الأبناء ، وبين نفاذ في المسئولية التربوية بين الأسرة والمدرسة ضاعت الأجيال الناشئة واتخذت لها قيماً سلبية بعيدة عن القيم الحضارية لمصر على مر العصور وكر الدهور , وأصبح بين ظهرينا جيل مشوه لا نعرفه ولا يعرفنا يقتضى منا جميعا أسرة ومدرسة ومنظمات حكومية وغير حكومية ومنابر دينية ومنارات ثقافية التراص والتعاون في صبر ومثابرة لإعادة هذه الأجيال التي تفلت عقالها إلى مرابضها الحقيقية ومشاربها النقية كي تصح نفوسها وتسمو أخلاقها فينصلح حالها وحال الأسرة والمجتمع .
والمحكمة من منصتها العالية تدق ناقوس الخطر إلى ضرورة التنبيه لاستفحال ظاهرة التحرش ونموها بشكل متسارع بما يقتضى التصدي لها قبل أن تخرج عن السيطرة , ومن ثم وجب المشاركة الفعالة من الآباء في متابعة تعليم أبنائهم وتفعيل دور المدرسة ليكون مكملاً لدور البيت، باعتبارها مجتمعا كبيرا يمارس فيه الطالب ما تربى عليه في محيطه الأسري المصغر، ويوظف خبراته التي تلقاها من أبويه، ولتضيف إليه المدرسة خبرات جديدة من خلال تعامله مع أقرانه ومع مدرسيه ذوى الخبرة , فيتفاعل الطالب داخل الوسط المدرسي الذي تغرس فيه أنماط سلوكية واجتماعية أوسع من تلك التي تلقاها في البيت، ولا ريب أن للإدارة المدرسية دور كبير في حماية الطلاب من الانحراف أخذا في الاعتبار وجود قنوات اتصال بين المنزل والمدرسة. ومن ثم يصبح الدور التكاملي بين الأسرة والمدرسة جوهري وضروري في تربية النشء ؛ ويجب مشاركة الآباء في مجالس الآباء وعقد لقاءات دورية تجمع الآباء بالمعلمين , وتنبه المحكمة أن تفرقة المجتمع لدور الأسرة والمدرسة بقصر التنشئة الأسرية على البيت فقط دون ربطها بالمدرسة هو أول أسباب الفشل ، فلا يمكن اعتبار المدرسة مكانا لتلقي العلوم فحسب ، ولا يمكن اعتبار نطاق التربية في البيت فقط , فيجب استعادة ثقافة التكامل بين المدرسة والبيت داخل المجتمع , فالتأثر والتأثير بين البيت والمدرسة هو معيار تقدم الأمم في التنشئة الصحيحة.
كما تسجل المحكمة الدور السلبي للفن ووسائل الإعلام بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي فبعض الأفلام غيرت من عقلية النشء دون الثمانية عشر عاما حيث تقدم البطل على أنه إنسان فوضوي خارج عن القانون والعادات يفعل ما شاء وما أراد ، ويندفع وراء غرائزه عن طريق غير سوي متحديًا قيم وتقاليد المجتمع فيتخذ الطلاب من تلك الشخصية الفوضوية عديمة المبادئ والقيم مثلاً وقدوة ، فهذا النوع من الأفلام الذي يصور العديد من مظاهر الخيانة وأقوال الفُحش والرذيلة والجرائم والخروج على القانون و مشاهد العنف والسلوكيات ذات الإيحاء الجنسي , فضلا عن انتشار المهرجانات والحفلات بكلمات يملؤها الإيحاءات الخارجة في ألفاظها عززت من انتشار ظاهرة التحرش الجنسي سواء بسلوك لفظي يتضمن التعليقات والألفاظ والفكاهات الجنسية أو سلوك جنسي يتضمن التحرش المادي وصل الأمر معه بتحرش طلاب المدارس الإعدادية بمعلماتهم وهو ثمرة تشويه فكري وأخلاقي وديني .
وكل ذلك على الرغم من أن المادة الأولى من القانون رقم 430 لسنة 1955 بتنظيم الرقابة على الأشرطة السينمائية ولوحات الفانوس السحري والأغاني والمسرحيات والمنولوجات والاسطوانات وأشرطة التسجيل الصوتي تنص على أن تخضع للرقابة الأشرطة السينمائية ولوحات الفانوس السحري والمسرحيات والمنولوجات والأغاني والأشرطة الصوتية والاسطوانات أو ما يماثلها وذلك بقصد حماية الآداب العامة والمحافظة على الأمن والنظام العام ومصالح الدولة العليا , وغدت معه تلك النوعية من الأفلام الهابطة ذات المشاهد الفاضحة وعبارات بعض أغاني المهرجانات والحفلات الساقطة تصريحا وتلميحا خروجا على التقاليد والقيم التي خصها الدستور بالرعاية وأوجب على الكافة مراعاتها والتصون لها , بحسبانها معولا لهدم القيم الأصيلة في المجتمع ونصلاً لخدش الحياء , وسهما مصوبا لقتل الفضائل ومكارم الأخلاق فيه , بما يقتضى استنهاض همم الأجهزة الفنية الرقابية للقيام بدورها دون مواربة إزاء ما أصاب شباب المجتمع وناشئيه من انحلال الخلق وفقدان القيم , ودون أن يضعف من همة تلك الأجهزة الفنية الرقابية القول بأن نوعية تلك الأفلام وأغاني هذه المهرجانات التي أفسدت الذوق العام قد صادفت استجابة الجماهير , فاتجاه جانب من الجماهير إلى متابعتها وتكالبهم على مشاهدتها ليس قرينة على سلامتها من النواحي الاجتماعية والخلقية ذلك أن العبرة بما تحدثه تلك الأفلام والأغاني من انعكاسات على المجتمع , ودون أن يثبط من همة تلك الأجهزة الادعاء بحرية الإبداع الفني وفقا للدستور , ذلك إنه يتعين التفرقة بين كفالة حرية الإبداع الأدبي والفني والثقافي وبين استغلال ما تفرزه العقول المريضة والنفوس الرخيصة من قيم سلبية يعانى منها المجتمع سنين عددا للتخلص من أثارها على أجياله .
وتناشد المحكمة المشرع المصري بتشديد العقوبة الواردة بالمادة 89 من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008 التي تعاقب فقط بغرامة لا تقل عن مائة جنيه و لا تزيد عن خمسمائة جنيه ، لكل من يخالف حظر نشر أو عرض أو تداول أي مطبوعات أو مصنفات فنية مرئية أو مسموعة على اختلاف أنواعها الفنية خاصة بالطفل تخاطب غرائزه الدنيا ، أو تزين له السلوكيات المخالفة لقيم المجتمع أو يكون من شأنها تشجعه على الانحراف وهى غرامة لا تكفى لتحقيق وظيفة الردع ولا تتناسب مع جسامة الجريمة وأثارها المدمرة في نفوس النشء الذين يقل أعمارهم عن ثمانية عشر عاما حتى ولو صادرت المطبوعات أو المصنفات الفنية المخالفة .كما تناشد المشرع أيضا بتشديد العقوبة الواردة بالمادة 92 التي تعاقب علي مخالفة أحكام المادة (90) من هذا القانون بغرامة لا تقل عن خمسين جنيهاً ، و لا تزيد على مائة جنيه عن كل طفل في حالة مخالفة حظر ما يعرض علي الأطفال في دور السينما و الأماكن العامة المماثلة طبقاً للشروط والأوضاع المقررة قانونا، و الحظر علي مديري دور السينما و غيرها من الأماكن العامة المماثلة و التي يصدر بتحديدها قرار من وزير الثقافة ، و علي مستغليها و علي المشرفين علي إقامة الحفلات و المسئولين عن إدخال الجمهور السماح للأطفال بدخول هذه الدور أو مشاهدة ما يعرض فيها إذا كان العرض محظوراً عليهم طبقاً لما تقرره جهة الاختصاص ، كما يحظر اصطحاب الأطفال عند الدخول لمشاهدة هذه الحفلات وهو الأمر غير المطبق .
كما تناشد المشرع بتشديد العقوبة التي تعاقب علي مخالفة أحكام المادة (91) من هذا القانون بغرامة لا تقل عن خمسين جنيها ولا تزيد علي خمسمائة جنيه في حالة مخالفة مديري دور السينما وغيرها من الأماكن العامة المماثلة الإعلان في مكان العرض وفي كافة وسائل الدعاية الخاصة ما يفيد حظر مشاهدة العرض علي الأطفال ، و يكون ذلك الإعلان بطريقة واضحة ، و باللغة العربية وهى عقوبات ضئيلة لم تعد مناسبة للعصر الحالي بعد مرور ربع قرن من الزمان على إصدار قانون الطفل تغيرت فيها أحوال المجتمع وتبدلت.
خاصة وأن المشرع حظر في المادة 176 من اللائحة التنفيذية لقانون الطفل الصادرة بقرار رئيس مجلس الوزراء 2075 لسنة 2010 على دور السينما وما يماثلها من أماكن عامة أن تعرض على الأطفال دون الثمانية عشر عاما أية أشرطة سينمائية أو مسرحيات أو عروض أو أغاني أو أشرطة صوتية أو مرئية أو أسطوانات تنطوي بشكل صريح أو ضمني على ما يخالف المعاني التي تجسد قيمة العقل وأهمية الإبداع أو التي تتعلق بقيم الحق والعدل والشجاعة أو تشرح القيم الإنسانية الرفيعة في المساواة بين الناس كافة واحترام الآخرين وجودا ورأيا وحرية وتقبل الأخر بصرف النظر عن جنسه أو دينه أو عنصره، أو أصله الاجتماعي، أو إعاقته، أو أي وجه آخر من وجوه التمييز أو التي تبرز ما في الأديان السماوية من قيم الصدق والطهارة والإخلاص والمحبة والإيثار والتسامح والرحمة أو التي تبلور عظمة البحث العلمي أهمية التفاني فيه والربط بين أهدافه ومراميه وبين خير الإنسانية وسعادتها ورفاهيتها وخير الوطن وأبنائه ورفاهيتهم وسعادتهم أو التي تربط بين الوطنية والوطن وكل أو بعض المعاني السابقة بما يكفل إعلاء الانتماء والولاء لمصر , أو تستهدف إثارة أمر من الأمور التي تخاطب الغرائز الدنيا للأطفال أو تزين لهم السلوكيات المخالفة للقيم السامية والمبادئ العليا.
ولا ريب أن للأسرة دور إلى جانب هذه الأدوار الحكومية وهو مراقبة أبنائها في رواحهم وغدوهم والأماكن التي يرتادونها أو يترددون عليها ومراقبة استخدامهم لوسائل التواصل الاجتماعي ومحتوياتها التي تموج بالعديد من القيم السلبية والسلوكيات المعوجة .
ولقد كان لأهمية وخطورة الواقعة محل الطعن الماثل على المجتمع هي الباعث لهذه المحكمة في أن تستفيض في بيان أسبابها ومظاهرها ووسائل مقاومتها والقضاء عليها , قياما بالدور الاجتماعي للأحكام القضائية الذي لا يقتصر فقط على معاقبة من تنكبوا سبيل الرشاد بل دق ناقوس الخطر لتنبيه المجتمع بما استجلته من وقائع طُرحت على قضائه وتحتم على المجتمع كل المجتمع التصدي لها .
( حكم المحكمة الإدارية العليا ، الطعن رقم 43350 لسنة 64 قضائية.عليا، بجلسة 13/6/2020 )
Cookie | Duration | Description |
---|---|---|
cookielawinfo-checkbox-analytics | 11 months | This cookie is set by GDPR Cookie Consent plugin. The cookie is used to store the user consent for the cookies in the category "Analytics". |
cookielawinfo-checkbox-functional | 11 months | The cookie is set by GDPR cookie consent to record the user consent for the cookies in the category "Functional". |
cookielawinfo-checkbox-necessary | 11 months | This cookie is set by GDPR Cookie Consent plugin. The cookies is used to store the user consent for the cookies in the category "Necessary". |
cookielawinfo-checkbox-others | 11 months | This cookie is set by GDPR Cookie Consent plugin. The cookie is used to store the user consent for the cookies in the category "Other. |
cookielawinfo-checkbox-performance | 11 months | This cookie is set by GDPR Cookie Consent plugin. The cookie is used to store the user consent for the cookies in the category "Performance". |
viewed_cookie_policy | 11 months | The cookie is set by the GDPR Cookie Consent plugin and is used to store whether or not user has consented to the use of cookies. It does not store any personal data. |